أحمد الشرباصي

157

موسوعة اخلاق القرآن

يعاقب عليه ، وقد قيل لذي النون : متى يكون العبد خائفا ؟ . فقال : إذا نزّل نفسه منزلة السقيم الذي يحتمي مخافة طول السقام . والخوف من اللّه ليس هربا منه ، أو إعراضا عنه ، بل هو قوة احساس بعظمته وهيبته ، وجلاله وحقّه ، وقوة عزيمة في الإقبال عليه ، ليكون الانسان أهلا لقبوله ومرضاته ، فإذا صدقت في خوفك من اللّه زدت لجوءا إليه واعتصاما بحبله ، وذلك بخلاف خوفك من غيره ، فالانسان إذا خاف شيئا آخر غير اللّه بعد عنه وهرب منه . والصادق في خوفه من اللّه يبذل غاية جهده في التحرر من المعصية ، وفي القيام بالطاعات والقربات ، ومع ذلك يخاف ألّا يبلغ بجهده وعمله مرتبة المقبولين الذين يقول اللّه تعالى فيهم : « رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ » ولقد جاء في السنة المطهرة أن السيدة عائشة رضي اللّه عنها سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن قول اللّه تعالى : « وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ » فقالت : يا رسول اللّه ، قول اللّه : « وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ » أهو الذي يزني ويشرب الخمر ويسرق ؟ . قال : لا يا ابنة الصدّيق ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ، ويخاف أن لا يقبل منه . وقد قال الحسن في شأن هؤلاء : عملوا واللّه بالطاعات ، واجتهدوا فيها ، وخافوا أن تردّ عليهم ، إن المؤمن جمع إحسانا وخشية ، والمنافق جمع إساءة وأمنا . * * والدواعي التي تدعو الانسان إلى استشعار الخوف من اللّه جلّ جلاله كثيرة ، وقد أحصى حجة الاسلام الغزالي مجموعة منها ، فذكر أن هناك مكروهات كثيرة يخافها الناس ، كالذين يغلب عليهم خوف الموت قبل التوبة ، أو خوف نقض التوبة بعد القيام بها ، ونكث العهد بعد